عبد الكريم الخطيب
788
التفسير القرآنى للقرآن
وأول ما يلفت النظر من أمر الحديد هنا ، هو أنه خصّ بالذكر من بين المعادن كلها ، وهو ليس أكثرها فائدة ، ولا أعظمها نفعا . ثم إنه مع الاختصاص بهذا الذكر من بين المعادن ، قد ازداد شرفا وعظم قدرا بأن سميت سورة كريمة من سور القرآن الكريم به . . وإذا كان الأمر كذلك ، فإنه لا بد أن يكون للحديد هنا شأن غير شأنه المعروف ، بمعنى أن ذكره في مواجهة ذكر بعثة الرسل ، وما يحملون من آيات اللّه وكلماته ، لا بد أن يكون مقصودا لأكثر من معنى غير المعنى المعروف له . . والذي وقع لمفهومنا من ذكر الحديد هنا - واللّه أعلم - هو أنه يشير إلى ما يحمل الرسل إلى الناس من وعد ، ووعيد ، ومن يد تمتد بالخير والنجاح ، والسلامة لمن يستجيبون لهم ، وينضوون تحت أجنحتهم ، ويد تمتد بالبلاء ، والهلاك لمن يلقونهم بالعناد ، ويرجمونهم بالسفاهات والضلالات . . فمع كل رسالة كل رسول من رسل اللّه ، بشريات ومهلكات ، بشريات للمؤمنين ، ومهلكات للمكذبين ، وفي أعقاب كل دعوة من دعوات الرسل حصاد كثير ، بعضه للصون والحفظ ، وبعضه للضياع والانحلال . . فالناس قبل بعثة الرسول إليهم يتركون لما هم فيه ، من خير وشر ، ومن هدى وضلال ، فإذا جاءهم رسول من رسل اللّه ، وبلغهم رسالة ربه ، قامت عليهم الحجة ، وأخذوا بما أنذروا به ، كما يقول سبحانه : « وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا » ( 15 : الإسراء ) . فآيات اللّه التي ينزلها للناس على يد رسله هي أشبه بالحديد ، فيه بأس شديد ومنافع للناس . . ولهذا أشير إلى الحديد هنا بقوله تعالى : و « أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ » فالحديد هنا هو البأس الذي ينزل مع آيات اللّه ، وهو الزواجر التي تحلّ بالمكذبين